عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي

185

المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة

قال ابن القيم : سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليس بقضاء اللّه بل مما ابتدأ الناس إحداثه ، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام ولا حاجة لذلك . لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام ، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية ، لأن قوله : « فأبواه يهودانه » إلخ . محمول على أن ذلك يقع بتقدير اللّه تعالى ومن ثم احتج عليهم مالك « 1 » بقوله في آخر الحديث : اللّه أعلم بما كانوا عاملين « 2 » . وقال ابن حجر : . . . فقال مالك : احتج عليهم بآخره « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » . ووجه ذلك أن أهل القدر استدلوا على أن اللّه فطر العباد على الإسلام وأنه لا يضل أحدا وإنما يضل الكافر أبواه . فأشار مالك إلى الرد عليهم بقوله : « اللّه أعلم » فهو دال على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفطرة ، فهو دليل على تقدم العلم الّذي ينكره غلاتهم ، ومن ثم قال الشافعي : أهل القدر إن أثبتوا العلم خصموا « 3 » .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود عن عبد اللّه بن وهب قال : سمعت مالكا قيل له : إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث قال مالك : احتج عليهم بآخره ، قالوا أرأيت من يموت وهو صغير قال « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » . سنن أبي داود : 5 / 89 . قلت : يشير بذلك إلى رواية همام وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها » . قالوا : يا رسول اللّه أفرأيت من يموت وهو صغير ؟ قال : « اللّه أعلم بما كانوا عاملين » . أخرجه البخاري : 11 / 493 ، ومسلم : 4 / 2048 . ( 2 ) انظر : فتح الباري : 3 / 250 . ( 3 ) فتح الباري : 3 / 247 .